عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
270
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
السهر وأعياه القيام ، فجلس يصلى قاعدا إلى أن بقي من الليل قليل ، فغلب عليه النوم ، فرأى في منامه رجلا حسن الوجه يقول له : يا أبا البشر ما هذه الغفلة التي لحقتك ، ترفع إلى ربك عزّ وجلّ سوادا في بياض ، قال : فكيف أصنع ؟ قال : إذا أردت ذلك ، فاستمدّ بيد الشكر من بحر الذكر بقلم الصبر ، واكتب على قلبك ببياض الفكر على أرهب الطلب ، قال قلت فماذا أكتب ؟ قال قل : يا من أفضاله أفضل من أفضال المفضلين ، وإنعامه أنعم من إنعام المنعمين ؛ يا من عجز عن شكره شكر الشاكرين ، قد جرّبت غيرك من المأمولين بغيري من السائلين ، فإذا كلّ قاصد إلى غيرك مردود ، وكلّ طريق إلى سواك مسدود ، وكلّ خير عندك موجود ، وعند سواك معدوم ومفقود ، قال قلت يا سيدي ما أحسن هذا ، قال فإن بقي في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك من بقية ، فاكتب : يا من إليه توسلت ، وعليه في السرّاء والضرّاء عوّلت ، حاجاتى مصروفة إليك ، وآمانىّ موقوفة لديك ، كلّ ما وفقتنى له من خير أعمله وأطيقه ، فأنت دليلي عليه وطريقه ، قال فقلت يا سيدي وهذا حسن ، قال فإن بقي في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك بقية فاكتب : يا قديرا لا تئوده المطالب ، ويا ملكا يرغب إليه كلّ راغب ، ما زلت مصحوبا منك بالنعم ، جاريا على عادات الإحسان والكرم ، يا من بكرمه يبلغ الكرم ، ومن حمده يزيد النعم ، قال فقلت يا سيدي وهذا أحسن ؛ قال فإن بقي في بياض بصيرتك وصرح عزيمتك بقية فاكتب : يا من جعل الصبر عونا على بلائه ، وجعل الشكر مادا لنعمائه ، أسألك صبرا جميلا على المحن ، وتوفيقا للشكر على المنن ، فقد عظمت محنتك عن صبري ، وجلت نعمتك عن شكري ، فتفضل على إقرارى بعفو أنت أوسع له وأقدر على ، فإن لم يكن لذنبي عذر تقبله ، فاجعله ذنبا يغفر ، ثم قال : يا أبا البشر قم في مقام التبتل ، وقف موقف التنصل ، متعرّضا للتفضل بخشوع التذلل ، وللقبول بلسان التوسل إلى العزيز المتفضل ، قال وقلت يا سيدي ما أحسن هذا ؟ قال هو من دعاء خاصة الملك أفهمت ؟ قلت نعم إن شاء اللّه ، ثم مسح بيده على بطني وصدري فانتبهت وأنا ذاكر لما خاطبني به ، وما ذهب عنى منه حرف . قال السرىّ : حدثنا أبو البشر عند صلاة الفجر بهذا الحديث ، فاستحسناه وكتبناه ، رضى اللّه تعالى عنه .